لم أستغرب ما قالته إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" والأمريكي اليهودي "جاريد كوشنر"، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس"، عن خطة إعادة إعمار غزة، وتصوراته لقطاع غزة شمالا وجنوبا، وشرقا وغرباً.
فكوشنر هو رجل العقارات والأعمال والمستثمر الأمريكي اليهودي الأرثوذكسي، والمالك الرئيسي لشركة «كوشنر بروبرتي» وصحيفة "نيويورك أوبزيرفر"، والمناصر لإسرائيل والمنفذ لأحلامها، فهذا التصور يعكس فكر رجل عقارات والنظام "الترامبي" الأمريكي الجديد المساند لإسرائيل والمؤيد لأطماعها.
التصور الذي قدمه "كوشنر" يوفر الحماية لإسرائيل وتشتيت الفلسطينيين وتحديداً سكان غزة، وحصرهم في مكان ضيق يمتد على حدود مصر في منطقة رفح، والتي تختصر وظيفتها في أن تكون مكان سكان وحياة فلسطينيي غزة فقط، وهو ما يحقق، إخلاء قطاع غزة خصوصاً شماله وشرقه من أي سكان، بما يعني إستبعاد أي مواجهة وتلامس فلسطيني إسرائيلي مباشر.
ما قدمه "جاريد كوشنر"، يحمل في مضمونه سوء نية، والهدف العام هو تحقيق كل رغبات الكيان المحتل أمنياً ونقل المواجهة، ووضعها في مواجهة مصر، وتفريغ قطاع غزة من سكانه بطرق مختلفة، وتحمل في الكثير منها خبثاً شديداً، ضد مصالح الفلسطينيين وتحقيق أقصى المصالح للإسرائيليين.
ومن المهم أن ندرك أن "كوشنر" هو ظل الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، وهو صهره أيضاً وشريكه في الكثير من الأعمال، وأحد ممولي حملته الانتخابية في الولاية الأولى والثانية، وصعد نجمه أكثر في انتخابات الولاية الحالية لترامب، وصعد أكثر وأكثر بعد تولي الرئيس الأمريكي مقاليد الحكم في أمريكاً.
من هذا المنطلق يعتبر "كوشنر" - وهو إسرائيلي الهوى، - أداة ترامب في تنفيذ أحلامه وطموحاته في تحويل غزة إلى ريفيرا الشرق الأوسط، بغض النظر عن سكانها أصحاب الأرض.
ومن هنا طرحت إدارة ترامب خلال منتدى دافوس مشروع "غزة الجديدة" الذي يطرح تحويل القطاع إلى مدينة ساحلية حديثة، واستعرض جاريد كوشنر صورا لنسخة مستقبلية من غزة بناطحات سحاب ومنتزهات، وهي في مضمونها تحمل الكثير من الأبعاد الجغرافية والسياسية، على غزة وأهلها، وأرضها.
لا تراعي خطة ترامب حول غزة الجديدة - التي تدعو إلى استثمارات بنحو 25 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات العامة في غزة- أي حقوق لسكانها، فالهدف منها "بيزنس" وفقط، وهي العقلية التي ينظر من نافذتها "ترامب – كوشنر" على غزة، وهي عقلية سماسرة ورجال أعمال، وليس ساسة.
من المهم التدقيق في كل ما تقوله "خطة ترامب وكوشنر" حول غزة الجديدة لنفهم كل ما وراءه، وهو تحويل قطاع غزة في غضون 3 سنوات إلى منتجع فاخر ترتفع فيه ناطحات السحاب على شاطئ البحر بمساحات خضراء، ضمن أول برامج ما أسماه ترامب بـ"مجلس السلام العالمي"، والذي تخطى هدفه من مجلس يخص غزة ووضع حلول للحرب في القطاع، إلى مجلس عالمي، يقوم بأدوار المجالس والمؤسسات الأممية التابعة للأمم المتحدة.
لم ينكر ترامب في كلماته فكره "العقاري"، وطموحاته في طرح " خطة "غزة الجديدة"، عندما قال أمام منتدى "دافوس" (أنا مطور عقاري في صميمي... وانظروا إلى هذا الموقع المطل على الشاطئ، - يقصد قطاع غزة - انظروا إلى هذه الأرض الرائعة، وما يمكن أن تكون عليه لكثير من الناس"، في وقت تتحدث خطة غزة الجديدة "الترامبية" عن حصر السكان في أحياء سكنية ومناطق صناعية تمتد على مساحة 25 كيلومترا مربعًا.
حاولت إدارة ترامب أن تغري الحضور في المنتدى الاقتصادي العالمي بالأرقام، عندما قالت: سنحقق نجاحا كبيرا في غزة وستكون مشاهدة ذلك أمرا رائعا"، وسيصل الناتج المحلي الإجمالي للقطاع إلى 10 مليارات دولار خلال عشرة أعوام، بينما يصل متوسط دخل الأُسَر إلى 13 ألف دولار سنويا عبر توظيف كامل بنسبة 100% وتوفير الفرص للجميع.
المعلومات الإعلامية من خلال عرض "إدارة ترامب وكونشر" تشير إلى أن مشروع غزة الجديدة" الأمريكي، يشمل رؤية لإنشاء ميناء جديد ومطار ومعبر ثلاثي الأطراف في رفح، وخط سكك حديدية، عبر 6 مراحل، منها مرحلة تركز على مدينتي رفح وخان يونس، ومرحلة هدفها توسيع نطاق التطوير في خان يونس.، وتختص مرحلة بمناطق مخيمات اللاجئين في وسط القطاع، ومرحلة لإعادة إعمار مدينة غزة، مع اقتناص الجزء الرئيسي من الشريط الساحلي لغزة لإقامة مشروعات سياحة مع خطط لإنشاء 180 برجا متعدد الاستخدامات.
لاحظ من كل هذا لا تتحدث الخطة عن السكان ورؤية أهل غزة والفلسطينيين لتطوير وإعمار مدنهم ومخيماتهم وحقوقهم في أرضهم، حيث يسيطر الفكر العقاري على مشروع "ترامب – كوشنر" على كل شيء، بهدف الاستثمار فقط، وربما بل من المؤكد سيكون لإسرائيل اليد الطولي في غزة الجديدة الأمريكية.
ومن المهم قراءة المعنى السياسي والجغرافي لاختيار رفح التي ستصح "رفح الجديدة" ضمن المخطط الترامبي، فهي تضم 100 ألف وحدة سكنية دائمة، و200 مركز تعليمي، و180 مركز ديني وثقافي ومهني، و75 منشأة طبية.
فالتفسير الطبيعي لمثل هذا المخطط هو حصر سكان غزة وأصحاب الأرض فيما يسمى "رفح الجديدة"، وهو ما يحمل أهدافاُ سياسية، تخص إسرائيل فقط ومصالحها، دون أن يتحدث أحد عن مشاركة فلسطينية ولا عربية في الطرح الأمريكي الجديد، وهو ما يمثل خطراً على مستقبل غزة، بل القضية الفلسطينية كلها.
وما يلفت النظر إبراز وسائل الإعلام العالمية، مغادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي دافوس دون المشاركة في توقيع ميثاق مجلس السلام العالمي وقبل أن يعلن كوشنر، خطة "غزة الجديدة"، وهو ما يحمل تفسيرات بأن مصر رغم ترحيبها بهذا المجلس أن لها وجهة نظر بشأن التفاصيل، وفحوى خطة غزة الجديدة.
----------------------------
بقلم: محمود الحضري







